|
يناقش ابن حزم الشطر الثاني من القياس الأصولي القائم علي العلة ، ويرفضه هو الآخر ولا يقبل بالنتائج التي يتوصل إليها عن طريقه . الحقيقة أن العلة هي مدار القياس الأصولي ، وقد عرّفها الأصوليين بعدة تعريفات لا تختلف عن بعضها في الجوهر . منها أن العلة هي الباعث للشارع على شرع الحكم ، والوصف المعرف للحكم ، وبأنها الوصف المؤثر في الحكم ذاته . كما وضعوا لها شروطا ومسالك عديدة لا غاية لنا بالبحث فيها .
ما يهمنا أن القياس الأصولي القائم على العلة ينص على انه متي تحقق وجود علة الأصل في الفرع حكم للفرع بحكم الأصل . استنادا إلى انه إذا كان الشارع قد حكم في قضية ما بحكم معين فلا بد ، إذا توافرت هذه العلة في حالة قانونية معروضة للبحث ، أن يكون الحكم فيها هو نفس الحكم الذي قرره الشارع في نصه .
يشير الدكتور النشار (3) إلى أن هذا النوع من القياس قائم علي فكرتين أو قانونين . الأول “أن الحكم ثبت في الأصل لعلة كذا “فحكم التحريم في الخمر معلول بالاسكار . والثاني : “القطع بان علة الأصل موجودة في الفرع فإذا ما وجدت أنتجت معلولا متشابها ” استنادا إلى قانون الاطراد في وقوع الحوادث والذي ينص على أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولات متشابهة.
يقرر ابن حزم أن هذا النوع من القياس لا يحق العمل به في الشرائع فليس في الشرائع علة أصلا بأي وجه من الوجوه “ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله عز وجل ” (1) أما العقل فلا يوجب تحريم أو تحليل شيء ما في هذا العالم . إضافة إلى أن الادعاء بمعرفة علل النصوص الشرعية فيه تحكم على الذات الإلهية وافتراء بمعرفة أغراضها ومقاصدها وقد يعني الوصول إلى رتبتها .
للأصوليين رد علي هذا القول يتلخص في أننا كثير ما نجد في النصوص ذكرا لعلل الأحكام التي جاءت من اجلها ، فما الغرض من ذكر الشارع لها ؟ وقد وافقهم ابن حزم في أننا كثيرا ما نجد علل للنصوص مصرح بها ، غير أن هذه العلل المذكورة لا ينبغي أن تتجاوز ما ذكرت من اجله ، ولا يجب أن توضع الأحكام في غير ما نصت فيه لان في ذلك تعد لحدودها . يقول ابن حزم : “إن الشيء إذا جعله الله سببا لحكم ما في مكان ما فلا يكون سببا إلا فيه وحده على الملزوم وحده لا في غيره “(2) . أما الغرض من تصريح النصوص ببعض العلل فليس لشيء سوي الاعتبار . يقول ابن حزم : “واعلم أن الأسباب كلها منفية عن أفعال الله تعالي كلها وعن أحكامه حاشا ما نص تعالي عليه أو رسوله (صلي الله عليه وسلم) وأما الغرض في أفعاله تعالي وشرائعه فليس هو شيئا غير ما ظهر منها فقط والغرض في بعضها أيضا أن يعتبر بها المعتبرون “(3) .
لا ينكر ابن حزم وجود علل للأشياء ولا يعترض علي مبدأ العلّية القائل بان لكل معلول علة ، لكنه يحدد العمل بهذا المبدأ في إطار الطبيعيات أو الظواهر الكونية فقط . أما في الشرائع فلا يجوز وما هو إلا إيقاع اسم واحد علي معنيين مختلفين .
ينتقد ابن حزم أيضا قياس العلة الأصولي من جانب آخر . ففي رأيه يخضع تخريج علل النصوص إلى نوع من التخمين والظن . إذ بالامكان تخريج أكثر من علة لحكم واحد . أي أن الفقهاء قد يتمكنون من الوصول إلى أكثر من علة أدت الشارع إلى الحكم في قضية معينة . إذ قد يتصور فقيه معين إن العلة في قضية فرعية هي كذا بينما يراها آخر غير ذلك وبالتالي يربطاها بأصول مختلفة ويصلان إلى أحكام متباينة وينتهي الأمر بالاختلاف بين فقهاء المسلمين حول أمور الشرع وذلك لاحتكام المجتهدين على العلة القائمة على الظن أو غالب الظن .
يقدم ابن حزم مثالا لذلك وهو تحريم استبدال البر بالبر متفاضلا في الشرع الإسلامي . فالمالكي يظن أن علة التحريم انه مدخر ، والشافعي يظن العلة في التحريم انه مطعوم أي مأكول ، بينما الحنفي يظن العلة في التحريم انه مكيل. (1) يصل ابن حزم من هذا إلى “انه لا يمكن لأحد منهم أن يدعي علة في شيء من الأحكام إلا أمكن خصمه أن يأتي بعلة أخري يدعي أن ذلك الحكم إنما وجب لها “(2) . أي أن الباب مفتوحا للجميع في اختيار ما يناسبه وحسب هواه .
ظاهرية ابن حزم تضاد ما لم يقم الدليل عليه نصا ، والعلة التي يسعى إليها الفقهاء – حسب رأيه – في حد ذاتها معني خفي لا يفهم من ظاهر النص اللغوي . لذا فهو باطل في مذهبه . وفي هذا الصدد يقول : “وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام النبي صلي الله عليه وسلم ومن إجماع الأمة معني لا يفهم من مسموع ذلك الكلام ، ولا يقتضيه موضوعه في اللغة العربية “(3) .
نود أن نقرر قضية هامة فيما يتعلق برفض ابن حزم للقياس الأصولي بشطريه . وهي أن ابن حزم لا يعتد إلا بالشيء اليقيني ، واليقيني القائم على أساس البرهان القاطع والذي لا مدخل فيه للرأي والظن والتخمين . من هذا المنطلق نستطيع أن ندرك مرامي ابن حزم في إبطال القياس بأي شكل من أشكاله . ففي رأيه سيان أن يقوم القياس على مجرد وجود أشباه أو صفات أو علل وأسباب ، ففي نهاية الأمر ما يقوم عليه هذا القياس هو الظن أو غالب الظن وما قام على الظن لا يمت لليقين بصلة ولا يعتد بأحكامه .
وليس القياس فحسب في رأيه قائم على غالب الظن ، بل يشمل هذا كافة المناهج العقلية المعتاد استخدامها لدي الفقهاء ، والتي طالما جاءت بعيدة عن نصوص القرآن والسنة لما للرأي أو الظن فيها من شأن . يصرح ابن حزم بهذه القضية في كتابه “المحلي” قائلا : “لا يحل الحكم بقياس ولا برأي ولا باستحسان ولا بقول احد ممن دون الرسول صلي الله عليه وسلم دون أن يوافق قرآنا أو سنة صحيحة لان ذلك حكم بغالب الظن”(4).
ليس من الضروري عند ابن حزم إقامة البرهان على إبطال القياس ، بل عدم وجود برهان على إثباته يكفي كبرهان لإبطال العمل به . يقول ابن حزم : “بطل كل قول بلا برهان على صحته حتى لو لم يقم برهان بإبطاله ، فلو لم يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ، لان الفرض علينا أن لا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان “(1) .
إجمالا حجة ابن حزم في إبطال العمل بالقياس تتلخص في انه ما دام الوقوع في الخطأ وارد عند استخدام منهج القياس الأصولي بسبب قيامه على غالب الظن ، فان كفالة عدم الوقوع في الخطأ تتطلب وجود برهان يؤكد ذلك ، ولا برهان لدي القياسيين يبين أن منهجهم هذا جازم في قضاياه أو نتائجه ، بل هم أنفسهم يقرون بان النتائج التي يتوصلون إليها في حد ذاتها ظنية الدلالة ، فلا مبرر لأقوالهم أو فتاويهم .
في اعتراضه على القياسيين يتساءل ابن حزم : “هل كان كل قياس قاسه قائس حق أم منه حق ومنه باطل فان قال كل قياس حق أحال لان المقاييس تتعارض ويبطل بعضها بعضا ومن المحال أن يكون الشيء وضده من التحريم والتحليل حقا …. وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس من الباطل منه فقد بطل كله وصار دعوى بلا برهان ” (2) .
المشكل يكمن في عدم القدرة علي الحسم في صحة النتائج التي يتوصل إليها الفقهاء باستخدام القياس والرأي ، مما أدي إلى خلق مجال فسيح للتنازع والاختلاف فيما بينهم تبعا لوجهات نظرهم وهو ما يرفضه ابن حزم . فدين الله واحد لا اختلاف فيه . قال تعالي : “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ” (3) . فاختلاف المجتهدين أو الفقهاء لا يعني اختلاف الحق في ذاته ، لكنه اختلاف الطرق الموصلة إليه بسبب كونها ظنية (4) كأن ابن حزم يريد القول بأن ما نراه من اختلافات مذهبية في الإسلام ما كانت تكون لولا استخدام الفقهاء لطرق استدلالية ظنية كالقياس والرأي والتي لم تكن معروفة في عصر الرسول . هذه الطرق أدت إلى تعدد النزاعات المذهبية والاختلافات الفقهية ، ولو أن الأمور في معرفة الأحكام الشرعية ظلت على ما كانت عليه في عصر الإسلام الذهبي (عصر الرسول والصحابة) لما وجدنا هذه الاختلافات التي شتت جمع الأمة الإسلامية .
يوسع ابن حزم من نقده ليشمل ليس فقط الفقهاء الذين يؤولون الشرع باستخدام العلة ، بل وأيضا الأشخاص الذين يستغلون الاشتراك في معاني الألفاظ للتمويه ، أو ما يسميه هو “بالسفسطة” . وهو يري: ” أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس – وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم – من قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها “(1) وتفاديا لهذه الآفة يدعو “إلى تمييز المعاني وتخصيصها بالأسماء المختلفة ، فان وجدنا في اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته ، وميزنا كل معني منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني ، حتى يلوح البيان “(2). واللفظ المشترك هو اللفظ الذي يشير لأشياء كثيرة مختلفة الصفات والأحكام . فعلي المتكلم أو مقدم البرهان أن يبين أثناء استخدامه للفظ المعني أو الشيء الذي يقصده ، ويخصصه عن غيره عن طريق التعريف بالحد الذي يذكر فيه صفات الشيء المميزة له عن غيره المشترك معه في اللفظ .
إبطال التقليد :
ترتبط قضية نفي القياس عند ابن حزم بقضية أخري هامة وهي نفي التقليد أي تقليد الأئمة والفقهاء من أصحاب المذاهب المختلفة أيا كانوا. يقول ابن حزم : “التقليد هو أن يفتي المفتي بمسألة لان الإمام الفلاني أفتي بها . وذلك قول في الدين بلا برهان . وقد يختلف الصحابة والتابعون والعلماء في ذلك ، فما الذي جعل بعضهم أولي بالإتباع من بعض” (3).
يتعرض ابن حزم لائمة المذاهب في دعوة يوجهها إلى الجمهور قائلا : “على أي شيء كان الناس قبل هؤلاء ؟ ثم أن هؤلاء قد نهوا عن تقليدهم”(4) وهو يستدل في إبطاله للتقليد بأدلة شرعية وعقلية عديدة. من بين الأدلة الشرعية ، قوله تعالي “اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون “(5). وقوله تعالي :” وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه أبائنا “(6) وقوله تعالى : “فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر “(7) .
احد دعائم نفي ابن حزم للتقليد تمسكه بما جري عليه العمل في عصر الرسول والصحابة فيما يتعلق بأمور الديانة ، لذا فهو يرفض كل محاولة للتشريع بأحكام لم تكن معروفة في ذلك العصر . فلا تشريع في الدين بعد عصر الرسول صلي الله عليه وسلم لقوله تعالي : “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا “(1)، ففي هذه الآية اليقين على أن الدين قد كمل وتناهي وكل ما كمل ليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه ولا أن يبدله ، وان جميع أحكام الديانة لا تؤخذ إلا من كلام الله أي القرآن وسنة رسوله محمد صلي الله عليه وسلم ، وليس لأولي الأمر منا أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا . هم مبلغون فقط لأجيال المسلمين أحكام الله وما أتي به رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الله تعالي (2).
يؤرخ ابن حزم لبداية ظاهرة التقليد قائلا : وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة – نعني التقليد – إنما حدثت في الناس وابتدئ بها في الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة ، ….وانه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا علي هذه البدعة (3) .
يشير ابن حزم إلى أن تقليد إمام بعينه والأخذ بجميع أقواله وفتاويه دون دليل يصحح ذلك ، أمر لا مبرر له ، ولم يأمرنا الله به ، كما انه غير مقنع للعقل . إذ لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا ، لأننا لا ندري من نقلد من الفقهاء المفتين وهم يختلفون فيما بينهم . إضافة إلى أنهم غير معصومين من الخطأ ومن كان عرضة للوقوع في الخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله دون برهان يصححه . “فصح … انه لا يحل إتباع فتيا صاحب ولا تابع ولا احد دونهم ، إلا أن يوجبها نص أو إجماع “(4) .
عندما يرفض ابن حزم التقليد فهو يرفض الاجتهاد أي أعمال العقل الموصل للظن أو غالب الظن . وهو ينكر مثل هذا الأسلوب سواء استعمله العامي أو العالم فهو في ذلك سواء . إذا واجه المسلم (عاميا كان أم عالما) مشكلة قانونية فعليه أن يلجأ بنفسه دون معونة من احد إلى النصوص و يأخذها بظاهرها ، وهذا أمر يقيني ، أو ( كما سنبين فيما بعد ) أن يلجأ لدليل يقيني يؤدي به إلي الحكم الشرعي . مثل هذا الرأي سيمكن كل مسلم لا معرفة له بالفقه لأن يكون فقيها ويخول له الحق في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الثابتة دون الرجوع لأحد ممن تقدمه أو عاصره وليس عليه إلا التقيّد بالوسائل اليقينية للوصول إلى هذا الحكم وأهمها الأخذ بظاهر النص . يشرح ابن حزم معني الاجتهاد كما يراه ويقول بأن الاجتهاد : “بلوغ الجهد في طلب دين الله عز وجل الذي أوجبه علي عباده “(1) فكل امرئ مسلم مكلف أن يعرف ما يخصه من أمر دينه . وهو إذ يدعو لذلك لا يطالب العامي بما ليس في طاقته . فمن لم يستطع القيام بدوره في فهم النصوص عليه أن يسأل أهل الذكر – وهذا ادني درجات الاجتهاد – شرط أن يطالبهم بنص القرآن والسنة المؤيد لحكمهم . فان لم يقدموا له ذلك وكان ما أفتوا به ناتج عن اجتهادهم بالرأي فلا يقبل بفتواهم . يقول ابن حزم : “العمل في الدين بما أوجبه الله تعالي فيه ، ولم يكلفنا تعالي منه إلا ما نستطيع فقط ، ويسقط عنا ما لا نستطيع …، فعلي كل احد حظه من الاجتهاد ومقدار طاقته منه . فاجتهاد العامي إذا سأل العالم عن أمور دينه فأفتاه – أن يقول له : هكذا أمر الله ورسوله ؟ فان قال له : نعم ، اخذ بقوله ، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث ، وان قال له : لا ، أو قال هذا قولي ، أو قال هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبي حنيفة … ، فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه ، وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء (2).
يقرر ابن حزم أن المجتهد (بالمعني السابق ) مأجور بما أداه إليه اجتهاده غير آثم لخطئه بل وأن المجتهد المخطئ أعظم أجرا من المقلد المصيب . ذلك أن إثم المقلد – في حالة عمله بفتوى خاطئة – إثمين إثم الخطأ وإثم التقليد . فالمقلد غير مأجور بإصابته لتسليمه واعتقاده بقول قبل اعتقاد الدليل عليه . أي أن الإثم واقع عليه لاعتقاده بأحكام لا يدري مصدرها ولا كيف جاءت . بينما المجتهد في إقدامه على النص الثابت وطلبه للحكم وعمله بما اعتقد فيه هو عين الصواب إذ فيه بذل الجهد الذي يسقط عنه مالا يستطيع ، فلا يكلف الله نفسا إلا قدر استطاعتها .و ” كل من اعتقد في مسألة ما فهو حاكم فيها لما يعتقد ، هذا اسمه نصا لا تأويلا ، لأن الطلب غير الإصابة وقد يطلب من لا يصيب …ويصيب من لا يطلب “(3)
فابن حزم إذ يمنع التقليد يدعو إلى الفهم الذاتي للنصوص ، على اعتبار أن القرآن جاء للناس كافة بلغة عربية واضحة صريحة . فمن كانت له معرفة باللغة جاز له أن يعود للنصوص بنفسه . فلا يسوغ للعالم أو الجاهل أن يقلد . وفي ذلك دعوة صريحة إلي شمولية التعليم وإبطال التقسيمات المذهبية . فلا وساطة بين العبد والرب وبين العامي ودين الله كما أنها دعوة إلى فقه الدراية بدلا من فقه الرواية ، والى أن يستمد المسلم الدين من منابعه الأولي بسيطا وضاء متألقاً دون تعقيد .كما قلنا في السابق إن إبطال ابن حزم للتقليد مرتبط ارتباطا كليا بإبطاله للقياس. ذلك أن المفتي في قياسه وفي بحثه عن علة للنص يقيم عليها حكمه لابد أن يخمّن معني خفيا وراء النص . وما دخل باب التخمين والظن لا يوثق به ولا يؤخذ مأخذ اليقين ولا يعتد به أصلا . وعلى هذا فان التسليم بآراء الفقهاء القائمة على هذا الأساس هو تسليم بأشياء ظنية احتمالية . فما الذي يضمن لنا أثناء تقليدنا لفقيه ما ، أن هذا الفقيه في تخمينه واجتهاده قد أصاب الحكم الذي لا يتعارض مع كلام الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ؟ إن مجرد وجود احتمال واحد للوقوع في الخطأ لا يعني عدم الوقوع فيه . وحيث أن طرق الاستدلال التي استخدمها الفقهاء ليست برهانية ، فهي لا تضمن عدم الوقوع في الخطأ . كل ما توصلنا إليه هذه الطرق ترجيح ظني . والظن لا يغني عن الحق في شيء . فآراء المعلّلين باطلة ، وبالتالي كان تقليدهم باطل . إذن لابد من الحذر في الاعتماد على ما يقولون به، ومطالبتهم بالدليل البرهاني عليه . يقول ابن حزم : “وبالجملة فقد يخطئ الإمام كما يخطئ غيره ، وإتباع من يجوز أن يخطئ هو الحكم بالظن وقد نهي الله تعالي عن إتباع الظن “(1) كذلك يقول ابن حزم : “فصح أن الأخذ برائيهم (أي الفقهاء) لا يجوز في الدين إلا حيث صححه رسول الله صلي الله عليه وسلم وما كان هكذا فإنما صح طاعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم لا إتباعا لمن أشار به ” (2) .
يثير الدكتور الشهابي (3) إشكالا هاما فيما يتعلق برفض الظاهرية للتقليد يتلخص في أن الظاهريين أنفسهم أصحاب مذهب ومدرسة لها فقهاؤها وأتباعها وذات تقاليد متميزة فكأن الظاهريين وقعوا دون وعي فيما أرادوا أن ينفوه . على ما يبدو هناك بالفعل نوع من التناقض ، بالذات إذا ما نظرنا إلى كتاب (المحلي في الفقه الظاهري لابن حزم ) والذي يتألف من أحد عشر مجلدا ، والذي يتوسع فيه ابن حزم في طرح المسائل الفقهية ويناقشها من وجهات نظر المذاهب المختلفة. الجدير بالذكر أن الإشكال في حد ذاته قديم النشأة . فابن حزم نفسه في احدي رسائله نجده يرد على تساؤلات من هذا النوع اتهم فيه بالتناقض وبأنه يحض أصحابه على تقليده . يقول في رده مبررا موقفه : “ولا نملأ كتبنا إلا بالأمر بإتباع القرآن وسنن النبي صلي الله عليه وسلم وإجماع الأمة “(4) . هذا التبرير على ما يبدو غير مقيم للحجة الكافية على نزع التناقض .ذلك أن الفقه الظاهري لا ينفي مطلقا الخروج عن النص . فكأن هناك أحكاما شرعية عند الظاهرية لن يجدها العامي مثلا الذي أوجب عليه المذهب الرجوع بنفسه للنصوص في القرآن أو السنة . وكيف يدري هذا العامي بهذا الحكم إلا بالعودة لكتب الظاهريين مثلا (إن كان هذا العامي ظاهريا) . فهو إذن مقلد في هذه الحالة .
قد يتضح موقف ابن حزم بصورة اكبر عندما نجده يبين في كتابه “الأحكام في أصول الأحكام “(1) أن دوره كفقيه ينحصر في الدعوة إلى تفهم القرآن وكلام النبي صلي الله عليه وسلم ، وإبلاغه لما بلغه عن السلف إلى ما تلاه من الخلف . حسب رأيي يظل المشكل قائما إلا إذا اعتبرنا كتب الظاهرية بمثابة الدليل المرشد للمسلم دون أن تكون ممثلة لمذهب أو رؤية جديدة للشريعة . ولعل الرجوع لكتب الظاهريين – إذا رجع عامي إليها – يشبه ما يدعو إليه ابن حزم من المطالبة بالنص الشرعي المؤيد بالبرهان لحكم أخذه العامي من عالم أو مفتي . ومثل هذه البراهين متوفرة في كتب الظاهرية علي ما يشير ابن حزم (2). اعتقد أن صح هذا ، فلا تصدق كلمة “المذهب” علي الفقه الظاهري . لأن المذهب يقتضي رؤية وتأويل وأتباع يسيرون في هذا الطريق ولا يمكن أن يكون في الظاهرية إتباع لأن التبعية غالبا ما تقوم على التقليد .
|
|
|
|
 |
لا يوجد تعليقات.
خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة.